فخر الدين الرازي

310

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

لهم أحكام الدنيا فقد أظهر الأدلة الواضحة بما يعاملون به في الدار الآخرة من سوء المنقلب والعقاب العظيم ، فليس في ذلك مخالفة لما أظهره في الدنيا . وخامسها : أن اللّه تعالى يعاملهم معاملة المستهزئ في الدنيا وفي الآخرة ، أما في الدنيا فلأنه تعالى أطلع الرسول على أسرارهم مع أنهم كانوا يبالغون في إخفائها عنه ، وأما في الآخرة فقال ابن عباس : إذا دخل المؤمنون الجنة ، والكافرون النار فتح اللّه من الجنة باباً على الجحيم في الموضع الذي هو مسكن المنافقين ، فإذا رأى المنافقون الباب مفتوحاً أخذوا يخرجون من الجحيم ويتوجهون إلى الجنة ، وأهل الجنة ينظرون إليهم ، فإذا وصلوا إلى باب الجنة فهناك يغلق دونهم الباب ، فذاك قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ إلى قوله : فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ [ المطففين : 29 - 34 ] فهذا هو الاستهزاء بهم . السؤال الثاني : كيف ابتدأ قوله : اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ولم يعطف على الكلام الذي قبله ؟ الجواب : هو استئناف في غاية الجزالة والخفامة . وفيه أن اللّه تعالى هو الذي يستهزئ بهم استهزاء العظيم الذي يصير استهزائهم في مقابلته كالعدم ، وفيه أيضاً أن اللّه هو الذي يتولى الاستهزاء بهم انتقاماً للمؤمنين ، ولا يحوج المؤمنين إلى أن يعارضوهم باستهزاء مثله . السؤال الثالث : هل قيل : إن اللّه مستهزىء بهم ليكون مطابقاً لقوله : إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ الجواب . لأن « يستهزئ » يفيد حدوث الاستهزاء وتجدده وقتاً بعد وقت ، وهذا كانت نكايات اللّه فيهم : أَ وَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ [ التوبة : 126 ] وأيضاً فما كانوا يخلون في أكثر أوقاتهم من تهتك أستار وتكشف أسرار واستشعار حذر من أن تنزل عليهم آية يَحْذَرُ / الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ [ التوبة : 64 ] الجواب الثاني : قوله تعالى : وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ [ البقرة : 15 ] قال صاحب « الكشاف » إنه من مد الجيش وأمده إذا زاده وألحق به ما يقويه ويكثره ، وكذلك مد الدواة وأمدها زادها ما يصلحها ، ومددت السراج والأرض إذا أصلحتهما بالزيت والسماد ، ومده الشيطان في الغي ، وأمده إذا واصله بالوسواس ، ومد وأمد بمعنى واحد . وقال بعضهم : مد يستعمل في الشر ، وأمد في الخير قال تعالى : أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ [ المؤمنين : 55 ] ومن الناس من زعم أنه من المد في العمر والإملاء والإمهال وهذا خطأ لوجهين : الأول : أن قراءة ابن كثير ، وابن محيصن ( ونمدهم ) وقراءة نافع ( وإخوانهم يمدونهم في الغي ) يدل على أنه من المدد دون المد . الثاني : أن الذي بمعنى أمهله إنما هو مد له ، كأملي له . قالت المعتزلة : هذه الآية لا يمكن إجراؤها على ظاهرها لوجوه : أحدها : قوله تعالى : وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ أضاف ذلك الغي إلى إخوانهم ، فكيف يكون مضافاً إلى اللّه تعالى . وثانيها : أن اللّه تعالى ذمهم على هذا الطغيان فلو كان فعلًا للّه تعالى فكيف يذمهم عليه . وثالثها : لو كان فعلًا للّه تعالى لبطلت النبوة وبطل القرآن فكان الاشتغال بتفسيره عبثاً . ورابعها : أنه تعالى أضاف الطغيان إليهم بقوله : « في طغيانهم » ولو كان ذلك من اللّه لما أضافه إليهم ، فظهر أنه تعالى إنما أضافه إليهم ليعرف أنه تعالى غير خالق لذلك ، ومصداقه أنه حين أسند المد إلى الشياطين أطلق الغي ولم يقيده بالإضافة في قوله : وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ [ الأعراف : 202 ] إذا ثبت هذا فنقول : التأويل من وجوه : أحدها : وهو تأويل الكعبي وأبي مسلم بن يحيى الأصفهاني أن اللّه تعالى لما منحهم ألطافه التي يمنحها المؤمنين وخذلهم بسبب كفرهم وإصرارهم عليه بقيت قلوبهم مظلمة بتزايد الظلمة فيها وتزايد النور